الشيخ عبد الغني النابلسي
46
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فمن اللّه فاسمعوا * وإلى اللّه فارجعوا فإذا ما سمعتم ما * أتيت به فعوا ثم بالفهم فصّلوا * مجمل القول واجمعوا ثم منّوا به على * طالبيه لا تمنعوا هذه الرحمة التي * وسعتكم فوسّعوا ومن اللّه أرجوا أن أكون ممن أيّد فتأيد وقيّد بالشرع المحمدي المطهّر فتقيد وقيّد ، وحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته . فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك . ( وبعد فإني رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ) رؤيا ( مبشرة ) ، أي مغيرة لصورة البشرة من حزن وكرب إلى فرح وسرور وهو من قوله عليه السلام : « ذهبت النبوة وبقيت المبشرات » « 1 » وذلك في عالم التجريد عن العلائق البشرية وتبديل الصورة الحيوانية بالصورة الإنسانية ، وسبب ذلك ركود الحواس وصفاء الروحانية ، إما بالمنام المعروف أو باليقظة الحقيقة ( أريتها ) ، أي أراني إياها اللّه تعالى ( في العشر الآخر من ) شهر ( المحرم الحرام ) من شهور ( سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق ) الشام وكانت محط رحال الشيخ رضي اللّه عنه وموضع إقامته من دون سائر البلاد بعد أن سار في جوانب الأقطار ، ثم استقرت به الدار في ربوة ذات قرار لما علمه فيها من خفايا الأسرار . ( و ) الحال أن ( بيده ) ، أي بيد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلم كتاب فقال لي : هذا كتاب فصوص ) بضم الفاء جمع فص بالفتح ويأتي بيانه إن شاء اللّه ( الحكم ) جمع حكمة ( خذه ) ، أي تناوله مني ( واخرج به ) ، أي بمصاحبته من عقلك الصرف إلى الممزوج بالنفس وهو معنى قوله ( إلى الناس ) ، لأن عقولهم ليست صرفة كعقول الملائكة عليهم السلام بل ممزوجة بأنفسهم ، إما متساوية أو راجحة أو مرجوحة لا تحصل الاستفادة التامة إلا ممن يجانس ويشاكل ولهذا قال : ( ينتفعون به ) ، أي بهذا الكتاب ، فتكون تسمية هذا الكتاب ب « فصوص الحكم » تسمية من النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما وقع للشيخ شرف الدين عمر بن الفارض رضي اللّه عنه في تائيته التي سماها له النبي صلّى اللّه عليه وسلم « نظم السلوك » في رؤيا أريها حكيت في ديوانه ( فقلت : له السمع ) بالنصب عامله محذوف تقديره : أنا سامع السمع ( والطاعة ) ، أي وأنا
--> ( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر أخبار المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم . . ، حديث رقم ( 6047 ) [ 13 / 411 ] وابن ماجة في السنن ، باب الرؤيا الصالحة . . ، حديث رقم ( 6047 ) [ 13 / 411 ] ورواه غيرهما .